لم يسبق لشركة آبل أن صنعت شيئًا بهذه التعقيد. لكنها كانت على مفترق طرق.
يقول توني فاديل، المسؤول السابق في آبل الذي شارك في ابتكار جهاز iPod وكان له دورٌ بارز في قيادة التطوير المبكر لجهاز iPhone: “كنا نتساءل: هل سيحمل الناس جهازًا واحدًا فقط؟ إما هاتفًا محمولًا للموسيقى، أو جهازًا من آبل للموسيقى والاتصالات. فقلنا: حسنًا، ماذا سنصنع؟”
راقب فاديل ومسؤولون آخرون في آبل كيف طرحت موتورولا وسامسونج هواتف محمولة غير مستخدمة مزودة بمشغلات MP3 مدمجة. وتساءلوا عما إذا كانت أيام جهاز iPod معدودة.
كان جهاز iPod أنجح منتجات آبل في ذلك الوقت. وبحلول أبريل 2004، تفوقت مبيعاته على مبيعات جهاز Mac، محققةً نموًا يزيد عن 900% مقارنةً بالعام السابق.
لذا، شرعت آبل في العمل على جعل أعظم إنجازاتها خالدًا. وحتى يومنا هذا – في الذكرى الخمسين لتأسيس الشركة – لم تتخذ آبل قرارًا أكثر أهمية من هذا.
هاتف iPod
قال فاديل إن شركة آبل لم تُنتج قط جهازًا معقدًا مثل iPhone، ما استلزم ابتكار طرق جديدة لدمج المكونات معًا لم تكن موجودة من قبل.
ويتذكر روبن كاباليرو، الرئيس السابق لقسم الهندسة في آبل من عام ٢٠٠٥ حتى ٢٠١٩، العمل لساعات طويلة في المساء وعطلات نهاية الأسبوع خلال رحلة استغرقت قرابة عامين ونصف قبل إطلاق iPhone.
وقال: “كنت أستريح، مرات عديدة، تحت مكتبي”.
وكانت واجهة المستخدم من أبرز نقاط الضعف. فبينما كانت شاشات اللمس موجودة قبل iPhone بفترة طويلة، حسّنت آبل هذه التقنية وطورت نظامًا سلسًا بما يكفي لإقناع المستخدمين بجدوى الاستغناء عن الأزرار المادية. وقد تطلب ذلك جهودًا كبيرة من مئات الأشخاص داخل آبل، حيث عملوا على تفاصيل تقنية دقيقة مثل غطاء الشاشة ونظام إزالة الرطوبة، وفقًا لما ذكره أحد كبار مسؤولي الهندسة السابقين في آبل.
بدا الجهاز في البداية أشبه بجهاز iPod يُستخدم لإجراء المكالمات الهاتفية، وهو ما أكده فاديل وكاباليرو وآندي غرينيون، المدير التنفيذي السابق في شركة آبل الذي عمل على أول جهاز iPhone. وقد احتوى بالفعل على عجلة اللمس الخاصة بجهاز iPod.
قال فاديل: “حاولنا جعل جهاز iPod بمثابة هاتف أيضًا، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل. لأن عجلة اللمس لم تكن تسمح لنا بالكتابة أو طلب رقم هاتف.”
لكن الأجهزة كانت جانبًا واحدًا من القصة.
قال غرينيون: “كان لا بد من إعادة تصميم كل تطبيق من الصفر. لقد قدمنا بالفعل طريقة جديدة للتفاعل مع هذه التطبيقات باستخدام أصابعنا. لم يكن أي شيء ثابتًا منذ البداية، ولذلك عندما فشل، كنا نتساءل: ‘ماذا؟ كيف؟'”
“عمل دؤوب”
أدى نجاح جهاز iPod إلى انطلاقة آبل في مجال الأجهزة المحمولة للمستهلكين في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. قبل جهاز iPod، كانت معظم منتجات الشركة تتألف من أجهزة لوحية وأجهزة كمبيوتر مكتبية.
تطلّب هذا التحوّل من آبل البدء من الصفر تقريبًا، بالتعاون مع مزوّدي خدمات ومصنّعين جدد، وبناء فرق عمل حديثة. ويشير فاديل إلى أن الشركة لم تكن تمتلك الابتكار اللازم لتصميم جهاز مثل iPod.
علّم نجاح iPod شركة آبل دروسًا قيّمة حول كيفية التفوّق على المنافسة، وهو درس بالغ الأهمية في سباق الهواتف الذكية شديد التنافس الذي ينتظرها.
يقول فاديل إنه كان يضغط لإطلاق جهاز iPod جديد في الوقت المناسب لعيد الميلاد كل عام، وهو ما أثّر بشكل كبير على مسار إطلاق iPhone.
وصف المسؤول السابق في فريق تصميم آبل “العمل الشاق والمتواصل” لطرح أجهزة iPod.
نجاح مفاجئ
أشار انتشار أجهزة مثل T-Mobile Sidekick وBlackBerry 5810 في أوائل الألفية الثانية إلى أن المستهلكين أرادوا من هواتفهم القيام بأكثر من مجرد إجراء المكالمات وإرسال الرسائل والتقاط الصور. أرادوا أن تكون حياتهم الرقمية متاحة لهم أينما ذهبوا.
لكن دخول سوق الهواتف كان مهمة شاقة آنذاك، حتى بالنسبة لشركة آبل. فقد كانت نوكيا وموتورولا تسيطران على السوق. سيطرت شركات الاتصالات سيطرةً تامةً على التسويق والتوزيع. وبسعر 500 دولار، كان هاتف آيفون الأول أغلى بكثير من الهواتف العادية.
قال غريغنون: “إذا تحدثتَ إلى أي شخص تقريبًا، ستجد سؤالًا متكررًا: ‘هل كنتم تعلمون أن الهاتف سيكون صفقةً رابحةً بهذا الشكل؟’ والإجابة هي: لم يكن أحدٌ منا يعلم”. وأضاف أن الهاتف كان يُتوقع أن يكون “منتجًا فاخرًا من الفئة العليا”.
وصف مدير التطوير السابق العاملين في شركة آبل بأنهم “مندهشون للغاية” من ردود فعل السوق على الطراز الأول.
ماذا بعد؟
اليوم، يُعدّ آيفون من بين أشهر الهواتف الذكية في العالم، ويوجد أكثر من 2.5 مليار جهاز من أجهزة آبل قيد الاستخدام حول العالم. لقد أعادت آبل تشكيل الثقافة بشكل عام، كما يُحقق تشارج وير من شبكة CNN في تقريره الاستثنائي “50 عامًا من آبل”، ضمن برنامج “القصة الكاملة مع أندرسون كوبر” الذي عُرض لأول مرة في 4 أبريل.
حتى غريغنون نفسه مندهش من مدى انتشار الآيفون.
يقول: “ابني، الذي سيُنهي دراسته الثانوية قريبًا، لا يستطيع إكمال يومه الدراسي بدون هاتفه”.
وقد أدى هذا النجاح إلى ظهور منظومة متكاملة من المنتجات مثل ساعة آبل الذكية وسماعات AirPods، وكلها تعتمد على شهرة الآيفون. ويقول كاباليرو إن هذا الجهاز هو الذي سيُمثل على الأرجح إرث آبل في المستقبل.
ويضيف: “إنها تلك اللحظة التاريخية التي يتذكرها الناس”.
ويؤكد فاديل أن حقيقة عدم تغير الآيفون بشكل كبير على مدار عشرين عامًا من وجوده تُعد دليلًا على نجاحه.
لكنه يُقرّ أيضاً بأنّ الصناعة تمرّ بمرحلةٍ وجوديةٍ جديدةٍ بفضل الذكاء الاصطناعي، ويبدو أنّ مستقبل آبل يعتمد على كيفية تكيّفها مع هذا التحوّل. وقد لوحظ أنّ آبل متأخرةٌ عن شركاتٍ مثل جوجل وOpenAI – التي قدّمت لها شراكاتٍ مع العديد من المؤسسات – في مجال الذكاء الاصطناعي.
وقال فاديل: “يتعيّن على آبل أن تُفكّر بطريقةٍ مختلفةٍ عمّا كانت عليه خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية. عليها أن تُفكّر في إحداث ثورةٍ جديدةٍ من جديد”.








