من الدردشة الآمنة إلى تسريع الاكتشافات.. هكذا تخطط “OpenAI” لتغيير وجه البحث العلمي

تواصل شركة “OpenAI” تعزيز هيمنتها على مشهد الذكاء الاصطناعي عبر تحديثات نوعية تهدف إلى الموازنة بين خصوصية المستخدمين وتطوير الأدوات التخصصية للعلماء. ففي الوقت الذي تعمل فيه الشركة على إعادة تعريف مفهوم الخصوصية في المحادثات اليومية، أطلقت ذراعها العلمي مبادرات جديدة قد تغير وجه البحث العلمي كما نعرفه، مستندة إلى نماذج متطورة وتكامل غير مسبوق مع أدوات العمل الأكاديمي.

تحسينات ذكية لخصوصية الدردشة

تعكف الشركة حالياً على اختبار تحديث دقيق لميزة “الدردشة المؤقتة” (Temporary Chat)، والذي يعد نقلة في كيفية تعامل المنصة مع بيانات المستخدمين. تتيح هذه الميزة في وضعها الحالي للمستخدمين بدء محادثة “من الصفر” دون أن يحتفظ النظام بأي سجلات أو ذكريات سابقة، وهو ما يشبه إلى حد كبير وضع “التصفح المتخفي” في متصفحات الإنترنت. لكن التحديث الجديد، الذي اكتشفه مهندس الذكاء الاصطناعي “تيبور بلاهو” عبر إعدادات مخفية في النظام، يضيف بعداً جديداً لهذه التجربة.

ووفقاً لما رصده بلاهو، سيتيح الخيار الجديد للمستخدمين الاحتفاظ بتفضيلاتهم الشخصية وأسلوبهم المعتاد في الحديث، مع الاستفادة من “ذاكرة” الذكاء الاصطناعي فيما يخص نبرة الصوت والسياق المفضل، حتى وإن كانت الدردشة نفسها مؤقتة ولن يتم حفظها في سجل المحادثات الدائم. ورغم أن هذه الميزة ستكون اختيارية وقابلة للتعطيل، إلا أن الشركة نوهت لضرورة معرفة المستخدمين بأنها قد تحتفظ بنسخ من هذه المحادثات لمدة تصل إلى 30 يوماً لأسباب تتعلق بالأمن والسلامة الرقمية، قبل حذفها نهائياً.

أداة “Prism”.. حقبة جديدة للبحث العلمي

على صعيد آخر، وبطموح يتجاوز مجرد الدردشة، كشف فريق “OpenAI for Science” عن أحدث ابتكاراته المتمثلة في أداة “Prism”. هذه الأداة المجانية، المدعومة بالنموذج اللغوي الأحدث GPT-5.2، تدمج قدرات الذكاء الاصطناعي مباشرة داخل محرر نصوص مخصص لكتابة الأوراق العلمية بصيغة “LaTeX”، وهي اللغة البرمجية الأكثر شيوعاً بين العلماء لتنسيق أبحاثهم.

تهدف هذه الخطوة إلى وضع الذكاء الاصطناعي في قلب سير العمل العلمي، تماماً كما أصبحت أدوات المساعدة البرمجية جزءاً لا يتجزأ من محررات الأكواد للمبرمجين. وفي هذا السياق، صرح كيفن ويل، رئيس قسم العلوم في OpenAI، خلال مؤتمر صحفي عُقد مؤخراً، بأن عام 2026 سيكون للعلوم والذكاء الاصطناعي ما كان عليه عام 2025 لهندسة البرمجيات، مشيراً إلى أننا نشهد “نقطة تحول” حقيقية في هذا المجال.

وتشير بيانات الشركة إلى أن هناك نحو 1.3 مليون عالم حول العالم يوجهون أكثر من 8 ملايين استفسار أسبوعياً لـ ChatGPT حول موضوعات علمية ورياضية معقدة، مما يؤكد تحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة لإشباع الفضول إلى ركيزة أساسية في صلب العمل البحثي.

من “الهلوسة” إلى الدقة الأكاديمية

لاقى هذا التوجه ترحيباً حذراً ولكنه متفائل من المجتمع الأكاديمي. ويشير رولاند دونبراك، أستاذ علم الأحياء في مركز “فوكس تشيس” للسرطان، إلى تحسن ملحوظ في أداء النماذج الحديثة، موضحاً أنه يعتمد بشكل كبير على GPT-5 لكتابة الأكواد، وأحياناً لطرح أسئلة علمية بحثاً عن معلومات في الأدبيات بشكل أسرع. ويلفت دونبراك إلى أن النماذج القديمة كانت تعاني مما يسمى “هلوسة المراجع”، لكن النسخ الحديثة تبدو أكثر دقة وموثوقية.

من جانبه، يؤكد نيكيتا جيفوتوفسكي، الإحصائي في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، أن GPT-5 أصبح أداة جوهرية في عمله، حيث يساعد في تنقيح نصوص الأوراق البحثية، واكتشاف الأخطاء المطبعية في المعادلات الرياضية، وتقديم ملخصات سريعة للمقالات المعقدة، مما يجعل التفاعل مع الأدبيات العلمية أكثر سلاسة. وتوفر واجهة “Prism” صندوق دردشة أسفل الشاشة يمكّن العلماء من طلب صياغة النصوص، إدارة المراجع، وحتى تحويل صور المخططات اليدوية من السبورات البيضاء إلى معادلات ورسوم بيانية دقيقة.

تسريع الاكتشافات.. خطوة بخطوة

ورغم التوقعات العالية التي يثيرها الحديث عن قدرات GPT-5 في حل المسائل الرياضية، يقلل كيفن ويل من أهمية انتظار “اكتشاف علمي مذهل ومفاجئ” يقوم به الذكاء الاصطناعي بمفرده في الوقت الراهن. في مقابلة حصرية مع “MIT Technology Review”، أوضح ويل أن التأثير الحقيقي لن يكون بظهور “منارة ساطعة” واحدة، بل في تحقيق عشرة آلاف تقدم علمي تدريجي ربما ما كانت لتحدث، أو كانت ستستغرق وقتاً أطول بكثير لولا مساهمة الذكاء الاصطناعي. إنها، بحسب وصفه، عملية تسريع تراكمي ستدفع عجلة العلم إلى الأمام بقوة وثبات.

Related Posts