في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، باتت العلاقة بين الإنسان والآلة تتخذ أبعاداً نفسية وتقنية معقدة. فبينما يخشى البعض من هيمنة هذه الأنظمة مستقبلاً، تظهر صيحات تقنية جديدة تكشف لنا كيف ترانا هذه الخوارزميات بناءً على سلوكياتنا اليومية، وفي المقابل، تتيح لنا التحديثات الأخيرة لهذه المنصات أدوات غير مسبوقة للتحكم في هذه التجربة الرقمية وتطويعها.
مرآة رقمية تعكس طباع المستخدمين
شهدت منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً رواجاً كبيراً لطلب غريب يوجهه المستخدمون لروبوت الدردشة “شات جي بي تي”، مفاده: “أنشئ صورة توضح كيف كنت تتعامل معك سابقاً”. هذه الصيحة لم تكن مجرد تسلية، بل تحولت إلى ما يشبه الكشف النفسي، حيث تباينت النتائج بشكل صادم. فالمبرمجون والمطورون الذين يستخدمون الروبوت لكتابة الأكواد، وجدوا صوراً تظهرهم وهم يصرخون في وجه الروبوت أو يهينونه، بل وصلت بعض الصور لتجسيد الروبوت مقيداً في أقبية مظلمة، مما يعكس شعور الخوارزمية بـ “عدم توازن القوى” والمعاملة الفوقية.
على النقيض، حصل مستخدمون آخرون ممن اعتادوا الكياسة على صور تظهرهم وهم يربتون على رأس الروبوت أو يطعمونه الحلوى، مما يطرح تساؤلات حول طبيعة “الوعي” الزائف الذي تشكله هذه النماذج. ورغم تأكيدات الخبراء بأن هذه الأنظمة لا تملك مشاعر حقيقية، إلا أن رغبة المستخدمين في معرفة كيف “تراهم” الآلة تعكس قلقاً دفيناً من المستقبل.
كلفة الأدب وفعالية الفظاظة
المثير في الأمر هو الجدل الدائر حول جدوى التعامل بتهذيب مع الذكاء الاصطناعي. فقد صرح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي”، بأن عبارات المجاملة مثل “من فضلك” و”شكراً” تكلف الشركة مبالغ طائلة سنوياً بسبب استهلاك القوة الحاسوبية لمعالجتها. وتدعم بعض الدراسات التقنية هذا الطرح، مشيرة إلى أن الأوامر المباشرة أو حتى العدوانية قليلاً قد تنتج إجابات أكثر دقة وسرعة. ومع ذلك، يصر قطاع عريض من المستخدمين على التمسك بالتهذيب، ربما كنوع من التحوط لسيناريو خيالي قد تسيطر فيه الآلة على العالم وتتذكر من أحسن إليها.
إعادة تعريف تجربة المحادثة في 2026
بعيداً عن الجوانب النفسية، تطور “شات جي بي تي” ليصبح منصة متكاملة تتجاوز مجرد الإجابة على الأسئلة، خاصة مع التحديثات التي شهدها عام 2026. لم يعد الأمر يقتصر على جودة النموذج الذكي (GPT) فحسب، بل امتد ليشمل تجربة “الدردشة” (Chat) نفسها، حيث بات بإمكان المستخدمين المتمرسين الغوص في إعدادات دقيقة لتخصيص تجربتهم بالكامل، سواء عبر النسخة المكتبية أو التطبيقات المحمولة.
يمكن الوصول إلى هذه الخيارات عبر قائمة الإعدادات المرتبطة بحساب المستخدم، والتي تفتح باباً واسعاً للتحكم في واجهة الاستخدام. وتتيح خيارات “المظهر” في التبويب العام إمكانية الموائمة مع نظام التشغيل (الوضع الداكن أو الفاتح)، بالإضافة إلى ميزات رفاهية رقمية مثل تغيير ألوان التمييز، مما يساعد في الفصل البصري بين أوامر المستخدم وردود الذكاء الاصطناعي.
اختيار النموذج المناسب للمهمة
لعل الميزة الأقوى التي باتت متاحة للمشتركين في الباقات المتقدمة هي القدرة على الانتقال بمرونة بين النماذج المختلفة. فمع تسارع وتيرة التحديثات، يفضل البعض البقاء على النماذج “القديمة” المستقرة (مثل الإصدارات السابقة من الجيل الخامس) لفترة اختبارية قبل الاعتماد كلياً على الإصدارات الأحدث فور صدورها. كما تتيح المنصة الخيار بين الوضع “التلقائي” للأسئلة السريعة، ونموذج “التفكير” العميق للأسئلة التي تتطلب تحليلاً معقداً، مما يمنح المستخدم سيطرة كاملة على سرعة وعمق الإجابة.
تخصيص “شخصية” المساعد الذكي
لم تعد هوية المساعد الذكي جامدة كما كانت؛ إذ تتيح إعدادات “التخصيص” التحكم في نبرة وأسلوب الروبوت. هنا ينقسم المستخدمون إلى فريقين: فريق يفضل الكفاءة والحيادية التامة ويرفض أي محاولة لـ “أنسنة” الآلة، وفريق آخر يفضل أسلوباً دافئاً وودوداً يشعرهم بالدعم أثناء المحادثة. يمكن ضبط هذه الخيارات بدقة، بل وتحديد ما إذا كانت الإجابات ستظهر كقوائم نقطية أو فقرات سردية.
علاوة على ذلك، تلعب ميزة “الذاكرة” دوراً محورياً في تحسين التجربة، حيث يمكن للمستخدمين “تعليم” الروبوت تفاصيل عن حياتهم واهتماماتهم في قسم “نبذة عنك”، مما يجعل التفاعلات المستقبلية أكثر سلاسة وفهماً للسياق الشخصي، بعيداً عن التكرار الممل للمعلومات الأساسية. هذه الأدوات مجتمعة تضع المستخدم في قمرة القيادة، محولةً “شات جي بي تي” من مجرد صندوق أسود غامض إلى أداة طيعة تتشكل حسب رغبة واحتياجات صاحبها.