يبدو أن عملاق التكنولوجيا الكوري “سامسونج” يمر بمرحلة حاسمة من إعادة صياغة استراتيجيته في سوق الهواتف الذكية. الشركة تقوم حالياً بخطوات جريئة لتنظيف محفظة منتجاتها، فمن جهة تودع أجهزة رائدة أثبتت جدارتها لسنوات، ومن جهة أخرى تتخذ قرارات صادمة بالتخلي عن ابتكارات باهظة لم يمضِ على إطلاقها سوى بضعة أشهر.
وداعاً لتحديثات سلسلة “Galaxy S21”
البداية كانت مع السلسلة الشهيرة “Galaxy S21” التي طُرحت في عام 2021. ورغم أن سامسونج تتباهى اليوم بتقديم دعم برمجي يمتد لسبع سنوات، إلا أن هذا الامتياز بدأ حصرياً مع أجهزة “إس 24″، لتبقى الإصدارات الأقدم محكومة بالسياسات التي كانت مطبقة وقت إطلاقها.
وبحسب أحدث القوائم الأمنية للشركة، اختفت هواتف “Galaxy S21″ و”S21 Plus” و”S21 Ultra” تماماً من جداول التحديثات الدورية، سواء الشهرية أو الفصلية. هذا يعني باختصار توقف وصول ترقيات نظام التشغيل أو التصحيحات الأمنية المعتادة لهذه الأجهزة. طبعاً، لو ظهرت ثغرة أمنية حرجة، قد تتدخل الشركة بتحديث طارئ لإنقاذ الموقف، لكن الروتين المعتاد انتهى. التوقيت هنا يبدو منطقياً جداً، فالسلسلة حصلت بالفعل على التحديثات الأربعة الرئيسية لنظام أندرويد كما وُعدت وقتها، وصولاً لتحديث أندرويد 15 وواجهة “One UI 7” المجدولة للنصف الأول من عام 2025، خاصة وأن آخر تحديث أمني قياسي وصلها أواخر العام الماضي.
صدمة “زي تراي فولد”.. نهاية مبكرة جداً
إذا كان إيقاف دعم هواتف عمرها أربع سنوات أمراً طبيعياً في عالم التكنولوجيا، فإن ما يحدث الآن مع أول هاتف ثلاثي الطي من سامسونج يمثل صدمة حقيقية في الأسواق. الشركة تستعد لسحب هاتف “Galaxy Z TriFold” وإيقاف إنتاجه بعد أقل من ثلاثة أشهر فقط على إطلاقه في الولايات المتحدة.
الخطة، كما كشف مسؤول في سامسونج لوكالة بلومبرغ، تبدأ بتصفية المبيعات تدريجياً في كوريا الجنوبية، ليتبعها السوق الأميركي بمجرد نفاد المخزون الحالي للهاتف الذي يبلغ سعره 2899 دولاراً. الأرقام تتحدث عن نفسها هنا؛ التقارير الصادرة عن صحيفة “دونغ-آ إلبو” الكورية تشير إلى أنه لم يُطرح ويُباع في كوريا سوى 6000 وحدة فقط منذ الإطلاق في 12 ديسمبر الماضي. واليوم، السابع عشر من مارس، يشهد آخر عملية إعادة تزويد للمخزون في السوق المحلي قبل إسدال الستار عليه نهائياً.
مبيعات محدودة ومنافسة شرسة
الوضع في الولايات المتحدة ليس أفضل حالاً، فقد توقف موقع سامسونج عن تحديث حالة التوفر منذ بداية الشهر، ويظهر الهاتف حالياً كـ “مباع بالكامل”. ورغم تمكن بعض المشترين المحظوظين من العثور على نسخ قليلة متبقية في متاجر الشركة في تكساس ونيويورك، إلا أن المخزون الإلكتروني نضب تقريباً. قريباً، لن يتبقى أمام الراغبين باقتناء هذا الجهاز قصير العمر سوى اللجوء للموزعين المستقلين أو شراء الأجهزة المستعملة، وهي محاولات أثبتت التجربة عبر منصات مثل إيباي أنها مجازفة محفوفة بالمخاطر.
في هذا الوقت، تواصل شركة هواوي تعميق الفجوة في هذا القطاع، فهي تعمل حالياً على الجيل الثاني من هاتفها ثلاثي الطي. ورغم أن نسختها الأولى “Mate XT Ultimate” شقت طريقها للأسواق العالمية في نهاية المطاف، لا يزال إصدارها الجديد “Mate XTs” محصوراً في السوق الصيني حتى اللحظة.
تكاليف باهظة ومستقبل غامض
السؤال الأبرز هو: لماذا تخلت سامسونج عن أحدث ابتكاراتها بهذه السرعة؟ الإجابة تكمن في التكاليف. الارتفاع الكبير في أسعار المكونات وتكلفة الإنتاج الباهظة جعلت من شبه المستحيل على الشركة تحقيق أي هامش ربح يذكر، حتى لو استمرت في بيع الجهاز.
رئيس قطاع الهواتف المحمولة في سامسونج، وون جون تشوي، كان شفافاً في تصريحاته الأخيرة الشهر الماضي. فقد أوضح أن الشركة لم تتخذ أي التزام بطرح جيل جديد يخلف “تراي فولد”، لكنه في الوقت ذاته ألمح إلى نقطة إيجابية. بعض الابتكارات التي قدمها هذا الهاتف، مثل الشاشة الضخمة ونسبة العرض إلى الارتفاع الجديدة، لن تذهب سدى، بل قد تجد طريقها إلى تشكيلة هواتف سامسونج القابلة للطي القادمة بمرور الوقت.